مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

34

موسوعه أصول الفقه المقارن

وبخاصة في القرن الخامس من الهجرة وما بعده . هذه وغيرها تعكس الحاجة المتبادلة ، بل وضرورة الاستفادة من مدوّنات كلٍّ من الطائفتين في هذا العلم . مدرسة أصول الفقه المقارن يمكن تقسيم مدارس أصول الفقه بمجملها إلى مدرستين : المدرسة المقارنة ، والمدرسة غير المقارنة ؛ وذلك تبعاً للمنهج المتّبع لدى مصنفي هذا العلم ، فقد يعتمدون آراء مذهب خاص للتدوين فلا يكون مقارناً ، وقد لا يعتمدون مذهباً محدداً بل يضمّون مجمل المذاهب في دراساتهم ، فتكون مقارنة . إنَّ بداية المدرسة الأصولية لدى الشيعة والسنّة كانت مقارنة ، والمدرسة في كلا توجُّهاتها ( السنّية والشيعية ) كانت تدوّن كتبها الأصولية بنحوٍ مقارن ، مع اختلاف في شدّة الصبغة المقارنة ، فبعضها ذات صبغة مقارنة شديدة مثل ( العدّة ) للشيخ الطوسي ، وبعضها ذات صبغة ضعيفة مثل أكثر مصادر أهل السنّة الأصولية القديمة ، حيث كانت تنقل آراء الشيعة ، وبخاصة السيد المرتضى والشيخ الطوسي وسديد الدين الحمصي « 1 » . لكن صبغة المقارنة أخذت بالأفول تدريجياً لتنعدم في القرون الأخيرة ، باستثناء النوادر من الكتب ، من قبيل ( تجريد الأصول ) للمولى مهدي النراقي ، و ( مناهج الأحكام ) للمحقّق أحمد النراقي ، فإنّها تناولت بحوثاً تطرح في أصول أهل السنّة عادةً ، من قبيل القياس والبحوث ذات الصلة به ، برغم أنّ مجمل البحوث فيها لم تكن مقارنة . وقد برز التوجُّه نحو حصر أصول الفقه بآراء المذهب خاصّة في مصادر الشيعة أكثر من مصادر السنّة ، وقد يكون ذلك لأمرين : الأول : عدم اهتمام أهل السنّة بالبحوث الأصولية في القرون المتأخرة ، وذلك تبعاً لانسداد باب الاجتهاد عند الكثير منهم . والكتب التي صدرت عنهم في هذه القرون قليلة قياساً لما صدر عن علماء الشيعة . الثاني : نتيجة عدم الاهتمام هو عدم تطور الأصول السنّي وعدم مواكبته للأصول الشيعي في بحوثه الفكرية الحديثة . لذلك نجد طابع التكرار للبحوث الأصولية القديمة واضح ، لكنّها بمجملها تمتاز بأنّها مهذّبة وبعبارات حديثة وبسيطة . لكن يبدو أنّ الحياة عادت بعض الشيء لهذه المدرسة ، وقد بدأ لدى الشيعة التدوين بالنحو المقارن في العقود الأخيرة ، وبرزت في هذا المجال بعض المقالات والكتب من قبيل ( الأصول العامة للفقه المقارن ) للسيد محمد تقي الحكيم ، و ( القياس حقيقته وحجّيته ) للسيد مصطفى جمال الدين ، و ( أصول الفقه فيما لا نصّ فيه ) لآية الله السبحاني ، وكتب ودراسات قليلة أخرى بالعربية والفارسية ، وأخيرها الموسوعة الماثلة بين يدي المحقّقين والعلماء . ونأمل أن يتجاوز هكذا منهج الإطار الشيعي ليشمل مدارس وعلماء الطوائف الأخرى كذلك .

--> ( 1 ) . انظر : المحصول 1 : 205 و 374 ، 2 : 47 و 61 و 188 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 262 و 506 ، البحر المحيط 2 : 381 .